خادمة عمرها 13 سنة دخلت القصر… ثم صُدمت عندما رأت صورتها معلقة على الجدار!

لمحة نيوز

وردية وصفراء وبيضاء تزداد بريقًا تحت ضوء الشمس، ورائحة الفل والورد العطري تسري في الهواء. لكن رغم كل هذا الجمال، كانت تشعر أن شيئًا ما ما زال ناقصًا.
ليرا!
التفتت، فرأت مانغ أندريس واقفًا في ظل شجرة مانجو.
نعم يا مانغ أندريس؟
اقتربت منه ببطء.
قال لها
قرارك بأن تعودي إلى أبيك أولًا قرار صائب. لا حاجة بك إلى استعجال كل شيء. أعرف أن ما حدث لك تغيير هائل. لكن سيأتي وقت تكونين فيه أنت وحدك القادرة على تقرير أين مكانك حقًا.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
شكرًا لك يا مانغ أندريس. أحيانًا أشعر أنني لم أعد أعرف من أكون.
قال الرجل العجوز
يا ليرا، ليس الاسم ولا المال هما ما يحددان هوية الإنسان. إنما قلبه وما يقدّره. وإذا كنت تحبين أباك، فلا خطأ في أن تختاريه.
وفي تلك الليلة، جلست ليرا على طرف السرير وفتحت صندوقًا صغيرًا كان أبوها قد أعطاها إياه منذ زمن. وجدت فيه الشريط القديم الذي كانت تربط به شعرها يوم دخلت المدرسة لأول مرة، وصورةً لها معه تحت شجرة المانجو في ساحة بيتهم. عندها انهمرت دموعها، لأنها فكرت
ماذا لو تغيّر كل شيء إذا بقيت هنا؟ ماذا لو لم أعد أستطيع الرجوع إلى تلك الحياة البسيطة أبدًا؟
وفي صباح اليوم التالي، استدعتها دونيا فيلينا إلى مكتبها. كانت الغرفة تعجّ بالأثاث الفاخر، والصور، والقطع الأثرية التي بدت كأنها من زمن قديم. وعلى منتصف المكتب كان هناك ظرف أبيض.
قالت دونيا وهي تمدّه إليها
خذي هذا. إنه أجرة عودتك إلى القرية، وفيه أيضًا مبلغ إضافي لأبيك. أعلم أن هذا لا يكفي ليعادل الحب الذي منحك إياه، لكنني آمل أن يساعدكما.
ظلّت ليرا تنظر إلى الظرف لحظات، قبل أن تقول بصوت منخفض
شكرًا لكِ يا سيدتي بل يا أمي.
لمعت عينا دونيا فيلينا عند سماع تلك الكلمة، لكنها لم تقترب منها.
وقالت بصوت مخټنق
عودي إليّ يا ابنتي هذا كل ما أرجوه.
وفي صباح اليوم التالي، أوصلها مانغ أندريس إلى موقف الحافلات. كان الطريق من القصر إلى البلدة صامتًا. وكانت ليرا تنظر من النافذة إلى الحقول، والدكاكين الصغيرة، والأطفال الذين يلعبون عند جوانب الطريق. وكانت كل تلك المناظر تبدو أقرب إلى قلبها من الأرضيات الرخامية اللامعة في القصر.
وقبل أن تنزل، قال لها مانغ أندريس
لا تظني أنك مدينة لنا بشيء يا ليرا. أنت ابنة السيدة، نعم، لكن قبل ذلك كله أنت إنسانة طيبة. وأينما اخترتِ
أن تكوني، فذلك وحده هو الذي سيحدد شكل الحياة التي ستسلكينها.
أومأت وهي تحاول أن تبتسم.
شكرًا لك يا مانغ أندريس. لن أنسى أبدًا كل ما فعلتموه لأجلي.
وفي الحافلة العائدة إلى القرية، ظلت تنظر من النافذة. وكانت السحب في الأفق ثقيلة، كأنها تحمل كل ما يثقل قلبها. ومع كل كيلومتر تقطعه الحافلة، كانت تشعر بمزيج من الفرح والخۏف. فقد أدركت أنه سيأتي يوم تضطر فيه إلى الاختيار بين الحياة التي نشأت فيها، والحياة التي لم تعرفها إلا الآن. لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا لديها في تلك اللحظة
إنها لم تكن مستعدة بعد.
ومع ذلك، كانت تعرف أن يوم المواجهة سيأتي. وستقف فيه أمام ذلك القرار، حاملةً معها كل الذكريات، وكل الحب، وكل الدروس التي انطبعت في قلبها.
وبعد أسبوعين، كان الصباح مشرقًا حين صعدت
ليرا مع أبيها الذي ربّاها إلى سيارة الأجرة العامة المتجهة إلى البلدة. لم يكن في أيديهما متاع كثير، لكن كليهما كان يشعر بثقل المشاعر في القلب. جلست ليرا بصمت تنظر من النافذة إلى المشاهد المألوفة التي تمرّ بهم الحقول، وأشجار جوز الهند، والبيوت الصغيرة التي كانت تراها كل يوم من قبل. ولم تستطع أن تفسر لماذا كان كل منظر منها يحمل لها معًا شيئًا من الفرح وشيئًا من الحزن.
كان إلى جوارها الأب إرنستو، مرتديًا قميصًا نظيفًا يبدو كأنه كُوي للتو. ومن حين إلى آخر كان يبتسم لها، ويضغط على يدها برفق، كأنه يطمئنها أنه لن يتركها مهما حدث.
وحين وصلا إلى البلدة، ركبا السيارة التي أرسلتها دونيا فيلينا لتقلّهما. كانت السيارة كبيرة، ومقاعدها ناعمة، ورائحتها زكية. وظل الثلاثة صامتين، ليرا وأبوها والسائق، حتى لاحظت ليرا كيف بدأ المشهد خارج النافذة يتغير سريعًا؛ من الطرق الضيقة في القرية إلى الشوارع الواسعة المعبدة في المدينة.
وبعد دقائق، ظهرت أمامهم بوابة القصر الكبيرة. لم تعد تلك البوابة لغزًا بالنسبة إلى ليرا كما كانت من قبل. لكن الإحساس هذه المرة كان مختلفًا تمامًا. ففي السابق دخلت هذا المكان بوصفها خادمةً تحمل في قلبها الخۏف والرهبة. أما الآن، فهي تعود إليه بصفتها ابنة صاحبته.
وحين انفتحت البوابة، سارت السيارة ببطء في الممر المحاط بأشجار النخيل. ورأت ليرا البيت الكبير المهيب، وفي أعلى الدرج كانت دونيا فيلينا واقفة، ترتدي فستانًا بسيطًا بلون كريمي، لكنها بدت كأنها أعدّت نفسها
بعناية لهذا اليوم الخاص.
ولما نزلت ليرا من السيارة، كانت ما تزال ممسكة بيد أبيها إرنستو.
قالت دونيا فيلينا وعيناها تمتلئان بالدموع
ليرا إرنستو
لم يعد في صوتها ذلك الجفاء القديم، بل حلّ مكانه دفء وانكسار.
اقتربت من ليرا، وربّتت برفق على خدها، ثم قالت
من الآن فصاعدًا، لن تعملي هنا. أنت ابنتي.
اهتز قلب ليرا عند سماع هذه الكلمات، وشعرت كأن الجدران التي كانت تفصلها عن الحقيقة قد اڼهارت دفعة واحدة. ومن طرف عينها، رأت أباها إرنستو يبتسم، رغم أن عينيه كانتا حمراوين من التأثر.
قالت ليرا بصوت متهدج
شكرًا يا يا أمي.
فشهقت دونيا فيلينا، ثم جذبتها 
أما الأب إرنستو فلم يستطع أن يمنع نفسه من الابتسام وسط دموعه.
وقال
شكرًا لكِ يا سيدتي بل يا ماما فيلينا على قبولك لها.
فابتسم الجميع من طريقته المتعثرة في نطق الاسم الجديد.
ثم دعتهم إلى الدخول. وعندما دخلوا الصالة، وقعت عينا ليرا مرة أخرى على تلك الصورة الكبيرة المعلقة على الجدار؛ صورة الطفلة التي حيّرتها يومًا ما. كانت في السابق تنظر إليها بدهشة وأسئلة لا تنتهي. أما الآن، فقد عرفت أخيرًا أنها هي تلك الطفلة.
وفي تلك النظرة، رأت حياتها كلها من فتاة ريفية بسيطة، إلى من تكتشف هويتها الحقيقية بعد كل تلك السنوات.
قالت دونيا فيلينا وهي تشير إلى الصورة
إن أردتِ، يمكننا أن نرسم صورة جديدة لنا معًا. لكنني أريد أيضًا أن تبقى هذه الصورة هنا كتذكار.
أومأت ليرا وقالت
فلنتركها هنا يا أمي. فهي تذكّرنا بأن الإنسان قد يضيع لكنه قد يُعثر عليه من جديد.
وعند مائدة الطعام، جلس الثلاثة يتناولون غداءً فاخرًا دجاجًا مطهوًا، وحساءً حامضًا بالروبيان، وحلوى ليتشي فلان التي كانت ليرا تحبها. وأثناء الطعام، لم تعد دونيا فيلينا رسمية كما كانت من قبل. أخذت تسأل ليرا عن حياتها في القرية، وعن كيف تعلمت غسل الملابس في النهر، والزراعة في الحقل، والطهو بالحطب. وكانت تصغي إلى كل كلمة كأنها كنز تعثر عليه للمرة الأولى.
قالت ليرا بعد لقمة من الأرز
يا أمي، حتى لو بقيت هنا، أريد أن أعود أحيانًا إلى القرية. هناك أصدقائي، وهناك ذكريات أمي.
وضعت دونيا فيلينا يدها على يدها وقالت
نعم يا ابنتي، لن أمنعك أبدًا. المهم أن تعرفي أين هو البيت الذي تعودين إليه كلما احتجتِ إلى مأوى.
وكان الأب إرنستو يبتسم.
ألم أقل لكِ يا ليرا؟ أينما
ذهبتِ، هناك من يحبك. وأنا سعيد لأن هناك الآن من سيحبك أكثر.
وبعد الغداء، أخذت ليرا تتجول في القصر. لكن كل غرفة كانت تراها في ذلك اليوم بدت مختلفة. في السابق كانت الجدران باردة وبعيدة، أما الآن فقد شعرت أنها صارت جزءًا من الذكريات الكامنة في ذلك المكان.
وفي غرفتها الجديدة، وجدت سريرًا جديدًا، وستائر، وطاولة. لكن الخزانة الصغيرة التي رأتها أول مرة حين كانت تعمل في القصر بقيت كما هي. وكأن أمها فيلينا تعمّدت ألا تزيلها، لتظل شاهدًا على البداية.
وقبل أن تغادر القرية صباحًا، كانت الجارة ألِينغ روزا قد أعطتها أصيصًا صغيرًا فيه نبتة غوماميلا. والآن وضعت ليرا ذلك الأصيص قرب النافذة وقالت في نفسها
حتى لا أنسى رائحة بيتنا في القرية.
وفي المساء، جلست مع أمها فيلينا وأبيها إرنستو في الصالة، ومرّ نسيم بارد خفيف. وكان الصمت بينهم هادئًا، لا ثقل فيه، بل يحمل طمأنينة وسکينة.
ثم قالت أمها فيلينا، قاطعة الصمت
يا ليرا، لقد أمضيت سنوات طويلة أبحث عن جواب لا أجده بشأن اختفائك. وكم من ليلة دعوت الله فيها أن تكوني ما زلت حية. لم أتخيل أبدًا أنك ستعودين إليّ بهذه الطريقة. سامحيني لأنني لم أعرفك من أول لحظة.
هزّت ليرا رأسها وقالت
ليس عليكِ أن تعتذري يا أمي. فلو لم أصل إلى القرية، لما تعلمت قيمة الأشياء البسيطة. ولولا أبي إرنستو، لما تعلمت كيف أحبّ دون انتظار مقابل.
ابتسمت أمها فيلينا، ثم نظرت إلى إرنستو.
شكرًا لك. لا أعرف كيف أكافئك على تربيتك لليرا.
فأجاب الرجل العجوز
لا حاجة إلى مكافأة. فقط أحبيها هذا كل ما أريده.
عندها اتسعت ابتسامة ليرا، وهي تنظر إلى الشخصين الأهم في حياتها الآن. في الماضي، كانت تشعر وكأنها بلا مكان حقيقي في هذا العالم. أما الآن، فقد صار لها بيتان تعود إليهما القرية والقصر.
وفي الليل، قبل أن تنام، وقفت مرة أخرى أمام صورة الطفلة المعلقة في الصالة. لكنها هذه المرة لم تعد تتساءل من تكون تلك الطفلة، لأنها باتت تعرف الجواب. لم تعد الصورة مجرد صورة لطفلة مفقودة، بل صارت صورة لطفلة تم العثور عليها من جديد.
وفي قلب ليرا، كان العالمان يعيشان معًا الحياة البسيطة في القرية، والبيت الفخم في المدينة. وللمرة الأولى، لم تعد مضطرة إلى الاختيار أيهما أهم، لأن كليهما صار جزءًا من هويتها.
وفي تلك الليلة، نامت وعلى شفتيها ابتسامة، مستعدة لبدء
فصل جديد من حياتها.
وهنا أُسدل الستار على الفصل المعنون
الصورة في القصر.

تم نسخ الرابط